ما بعد الورشة: كيف نبني منظومة أدلة في المنطقة؟
خلال العام الماضي، كنت جزءًا من تجربة طموحة بتمويل مشترك بين مؤسسة الملكة رانيا (QRF) ومؤسسة الوقف للتعليم (EEF). هذه التجربة المعروفة باسم مشروع "أثر" كان هدفها واضحًا لكنه واسع: بناء منظومة أقوى لاستخدام الأدلة في قطاع التعليم في الأردن والمنطقة.
لم يكن مشروع "أثر" مجرد تدريب أو نشاط منفصل؛ بل جمع بين التطبيق العملي، وبناء القدرات، والعمل مع شركاء متنوعين من الأكاديميين إلى صُنّاع القرار في الوزارات. لكن عند التأمل في التجربة، يتضح أن أهم ما خرجنا به لم يكن تقنيًا بقدر ما كان تغيّرًا في طريقة التفكير.
وهذه بعض تأملاتي من هذه الرحلة:
1. من مصطلحات معقدة إلى لغة يفهمها الجميع
في البداية، كان الحديث عن "الأدلة" يبدو معقدًا جدًا. مصطلحات مثل تقييم الأثر بالطرق التجريبية وشبه التجريبية أو "السيناريو المضاد للواقع" كانت تُستخدم وكأنها مفاهيم أكاديمية بعيدة عن الواقع، وليست أدوات يمكن أن تساعد في اتخاذ القرار.
لكن هذا تغيّر تدريجيًا من خلال الشراكة مع خبراء دوليين، وتقديم دورة "تقييم الأثر: الأساليب، والمناصرة، وقابلية التوسع"، بدأ التركيز يتحول من المصطلحات إلى التطبيق العملي.
أحد أهم المحطات كانت الدورة التي عُقدت في عمّان في يناير 2025، بقيادة البروفيسور (هوارد وايت)، حيث كانت دورة عملية جدًا، ركزت على أسئلة واقعية: كيف أختار طريقة التقييم المناسبة؟ كيف أقرأ النتائج؟ وكيف أستخدمها في سياق التأثير على السياسات؟
والأجمل أن هذا المحتوى أصبح متاحًا حاليًا في صورة دورة إلكترونية باللغة العربية، تتيح للمهتمين الالتحاق بها في الوقت الذي يناسبهم.
الدرس الأهم كان بسيطًا: لا يمكن استخدام الأدلة دون فهمها، وكانت اللغة العربية عنصرًا حاسمًا في تحقيق هذا الفهم.
2. إتاحة المعرفة للجميع
من أبرز الدروس المستفادة أنه بالرغم من أهمية الورش الحضورية إلا أنها تظل محدودة من حيث الوصول. فعدد المشاركين فيها محدود بطبيعته، مما يجعل تأثيرها محصورًا ضمن نطاق ضيق نسبيًا.
ولبناء منظومة حقيقية، كان من الضروري توسيع نطاق الوصول إلى هذه المعرفة.
لذلك تم تحويل التدريب الذي عُقد في يناير 2025 إلى دورة إلكترونية مفتوحة على منصة إدراك. وقد جاءت الاستجابة أكبر من المتوقع.
فخلال ثلاثة أشهر فقط (يوليو – سبتمبر 2025)، بلغ عدد المسجلين 3,471 متعلّمًا.
ولم يكن اللافت عدد المشاركين فقط، بل تنوعهم:
- انتشار إقليمي: رغم أن البداية كانت في الأردن، شارك متعلمون من السعودية (38%)، ومصر (21%)، والأردن (8%)، مما يعكس الحاجة إلى انتشار هذه المهارات في المنطقة.
- مشاركة نسائية واسعة: شكّلت النساء ما نسبته 59% من المشاركين. وفي ظل هيمنة الطابع الذكوري عالميًا على مجالات مثل علم البيانات، تعكس هذه النسبة الدور الذي يمكن أن تؤديه المنصات الرقمية في تقليص الفجوة وتعزيز تمثيل المرأة في هذا المجال.
- تنوع الخلفيات التعليمية: في حين شكّل حملة درجة البكالوريوس 51% من إجمالي المشاركين، سجّلت المشاركة حضورًا لافتًا للطلبة من حملة الثانوية العامة بنسبة 21%، مما يؤكد أن الاهتمام بفهم «ما الذي ينجح» في التعليم يتجاوز حدود التخصص الأكاديمي ولا يقتصر على فئة بعينها.
3. عندما تصبح المعرفة متاحة… يبدأ التغيير
أظهرت هذه التجربة أن التحدي لم يكن في ضعف الاهتمام بالأدلة، بل في محدودية الوصول إليها—خصوصًا باللغة العربية، ومع إزالة هذا الحاجز، بدأ التفاعل يظهر بوضوح.
وكان من أكثر الجوانب أثرًا الاستماع إلى المشاركين بعد التدريب. فقد بدأ كثير منهم بتطبيق ما تعلموه في سياقاتهم:
- في السياسات: من خلال استخدام أحد المشاركين المهارات التي تعلمها في التدريب مثل: تحليل بيانات دراسات دولية مثل PISA وTIMSS، والمساهمة في قرارات على مستوى المؤسسات الحكومية.
- في الممارسة العملية: عبر تطوير أدوات تقييم جديدة وتحسين أنظمة تقييم أداء المعلمين.
- في نقل المعرفة: حيث قام معظم المشاركين بمشاركة ما تعلموه مع زملائهم، مما يعزز انتشار المعرفة بشكل تدريجي.
4. ليس كل ما يهم يمكن قياسه بسهولة
العمل على تطوير "مقياس دافعية القراءة والدعم" غيّر نظرتي لموضوع القياس.
هذا المقياس يركز على أشياء مثل دافعية الطلاب، واتجاهاتهم، والدعم الذي يحصلون عليه—وهي أمور لا تظهر في الاختبارات التقليدية.
وهنا كانت الفكرة المهمة: ليس كل ما يهم في التعليم يمكن قياسه بالطرق المعتادة.
تطوير هذا النوع من الأدوات لم يكن مجرد عمل تقني، بل كان أيضًا محاولة لإعطاء مساحة للجوانب الإنسانية في التعلم—مثل المتعة والدافعية—والاعتراف بأهميتها.
5. بناء الثقة أهم من الإقناع
إحدى أبرز التحديات المستمرة التي واجهتنا تمثلت في كيفية الانتقال من موافقة شكلية من أصحاب المصلحة إلى مشاركة فاعلة وحقيقية.
وقد تبيّن أن الدقة العلمية -على أهميتها- لا تكفي وحدها؛ إذ ينبغي أن تكون الأدلة وثيقة الصلة باهتماماتهم ومنسجمة مع سياقاتهم العملية.
تُعدّ الثقة حجر الأساس في هذا المسار؛ فدعم أصحاب المصلحة للأدلة يرتبط بمدى انعكاسها لأولوياتهم وإسهامها في تعزيز قدرتهم على اتخاذ القرار، كما تزداد فاعلية الأدلة حين يشعرون بأنها طُوّرت بالشراكة معهم، لا من أجلهم.
نظرة إلى الأمام
بناء منظومة قائمة على الأدلة ليس مشروعًا يُنجز خلال سنة واحدة؛ بل هو رحلة طويلة ت وتغيير في الثقافة.
إذا كان هناك درس واحد استخلصته، فهو أن الناس في المنطقة يمتلكون رغبة حقيقية في استخدام الأدلة، شريطة أن تكون مفهومة، ومرتبطة بالواقع، ومتوافقة مع سياقهم.
عندها تتحول الأدلة من مجرد أداة للمساءلة إلى وسيلة فعّالة للتعلم الجماعي والمساهمة في بناء مستقبل أفضل لطلابنا.