الصورة

سدّ الفجوة بين الأدلة والتطبيق: توظيف العلوم السلوكية لإحداث تغيير منهجي

0
7

ملخص من الجلسة النقاشية التي نظمتها مؤسسة الملكة رانيا ومؤسسة فان لير على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026.

في وقت يجتمع فيه قادة العالم في نيويورك لمراجعة التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية العالمية، ضمن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا تنعكس الجهود المبذولة والطموحات المنشودة دائمًا في أثر ملموس على أرض الواقع؟

عندما لا تحقق البرامج النتائج المطلوبة، غالبًا ما نلجأ إلى تكثيف التواصل في نشر الوعي والتدريب وتكرار الرسائل التذكيرية، انطلاقًا من الاعتقاد بأن فهم الناس لأهمية سلوك معين سيدفعهم إلى ممارسته. لكن تغيير السلوك لا يتحقّق  بنشر الوعي فحسب، بل يتطلب فهم العوامل التي تؤثر في قرارات الناس وتوجّه تصرفاتهم؛ فمعرفة أهمية سلوك ما وإدراك ذلك لا تعني بالضرورة ممارسته أو تطبيقه في حياتنا اليومية.

غالبًا ما يرغب الناس في القيام بما هو صحيح، لكن ضغوط الحياة اليومية قد تحول دون ذلك. فقد يجد الأهل صعوبة في تخصيص وقت للقراءة مع أطفالهم بسبب الانشغال أو التعب، وقد يواجه مقدّمو الخدمات أعباء عمل كبيرة وموارد محدودة؛ لذلك لا تكفي النوايا الحسنة وحدها في تصميم البرامج، بل يجب أن تراعي واقع الناس والتحديات التي يواجهونها.

هنا تكمن فجوة التنفيذ. فبدلًا من أن نسأل: «كيف نقنع الناس بتغيير سلوكهم؟»، علينا أن نطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا: «ما الذي يمنعهم من القيام بذلك؟»

لفهم السلوك، علينا أن نبدأ بالواقع لا بالافتراضات

تمنحنا العلوم السلوكية أدوات لفهم ما يحول دون ترجمة المعرفة والنوايا إلى أفعال، ولماذا لا يتصرف الناس دائمًا بما يتوافق مع ما يعرفونه أو يؤمنون به.

بدلًا من الانطلاق من حلول جاهزة، كحملات التوعية أو البرامج التدريبية، نبدأ بتحديد السلوك الذي نسعى إلى تغييره، وفهم الواقع المحيط به:

  • من الأشخاص الذين نريدهم أن يتبنّوا هذا السلوك؟
  • كيف يتصرفون حاليًا؟
  • ما العوامل التي تؤثر في قراراتهم؟
  • ما الذي يعيقهم عن تبنّي السلوك المطلوب؟

تتطلّب الإجابة عن هذه الأسئلة البحث والاستماع إلى الناس وفهم واقعهم دون أحكام مسبقة؛ فالهدف ليس لومهم على عدم القيام بما هو متوقّع منهم، بل فهم ما يعيقهم وجعل السلوك المطلوب أسهل وأكثر قابلية للتطبيق في حياتهم اليومية. فعندما نفهم الناس بدون إصدار أحكام مسبقة أو إلقاء اللوم على ممارساتهم  نتمكّن من تحديد ما يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا.

تصميم حلول تلائم الواقع

يتطلّب إحداث تغيير حقيقي في السلوك حلولًا تنطلق من واقع الناس وتراعي احتياجاتهم. وهذا ما تسعى مؤسسة الملكة رانيا إلى تحقيقه من خلال برنامج «اقرأ لي»، الذي يدعم الأهل في جعل القراءة جزءًا من حياة أطفالهم منذ الولادة. وبالشراكة مع مؤسسة فان لير تطوّر البرنامج تدريجيًا، مستفيدًا من الأدلة والتجارب العملية، بهدف دمجه في الخدمات والأنظمة القائمة ما تطلّب اختبار أساليب مختلفة والتعلّم من نتائجها، للوصول إلى نهج أكثر ملاءمة للواقع وقابلية للتطبيق على نطاق أوسع.

يسعى الأهل إلى توفير كل ما يدعم نمو أطفالهم وتعلّمهم، لكن التوعية بأهمية القراءة وحدها لا تكفي للتغلّب على ما ، في ظل ما يواجهونه يوميًا من إرهاق وتعدّد المسؤوليات وضيق الوقت.

مع توسّع برنامج «اإقرأ لي» تمكّن من ، أصبح الوصول إلى الأسر ممكنًا من خلال مراكز التطعيم التابعة لوزارة الصحة، التي يرتادها يزورها 95% من الأهل وأطفالهم. وذلك بدلًا من إضافة محطات جديدة إلى حياتهم ة الأسر اليومية.، اندمج يستفيد البرنامج في خدمات الرعاية الصحية القائمة التي اعتاد الأهل على تلقّيها والوثوق بها ليصبح جزءًا من زياراتهم المنتظمة لهذه المراكز.، ليصبح جزءًا من تجربة رعاية صحية مألوفة وموثوقة.

الفكرة بسيطة: أن تأتي الحلول منسجمة مع حياة الناس، لا أن يُطلب إليهم منهم تغيير نمط حياتهم من أجلها. ومع توسّع البرامج، تبرز أهمية الحفاظ على أهدافها الأساسية، مع مواصلة الاستماع والتعلّم وتطوير أساليب تنفيذها بما يتناسب مع خصوصية كل بيئة واحتياجاتها.

نحو تغيير يتجاوز السلوك الفردي

غالبًا ما يُختزل دور العلوم السلوكية في التذكير والتشجيع على اتخاذ خطوات بسيطة، لكن سلوكنا يتأثر أيضًا بالظروف والأنظمة المحيطة بنا، من مسؤوليات الأسرة وتوقعات المجتمع إلى ضغوط العمل وتعدّد الالتزامات والحوافز والموارد المتاحة. لذلك، فإن التركيز على سلوك الأفراد وحده قد يُغفل التغييرات الأوسع اللازمة لتسهيل تبنّي السلوك المطلوب.

يمكن للحكومات أيضًا الاستفادة من العلوم السلوكية لفهم التحديات التي تواجه تنفيذ السياسات على أرض الواقع، من خلال طرح أسئلة مثل:

  • ما الإجراءات الإدارية التي تعرقل التنفيذ أو تجعله أكثر تعقيدًا؟
  • ما الضغوط والتحديات التي يواجهها العاملون في الميدان؟
  • هل يمتلك المسؤولون الصلاحيات اللازمة والمعلومات الواضحة لاتخاذ القرارات؟

ويمتد هذا التوجّه ليشمل دور الجهات المانحة أيضًا، إذ يتطلب منها تجاوزلا يقتصر دعمها على تمويل البرامج، إبل يشمل إلى الاستثمار في بناء القدرات وتعزيز الشراكات وتطوير الأنظمة التي تُتيح، بما يساعد على تبنّي الحلول الفعّالة وضمان استمراريتها على المدى الطويل.

وفي هذا الإطار، تعمل مؤسسة الملكة رانيا على تعزيز توظيف العلوم السلوكية في القطاع العام، من خلال تدريب يستهدف مختلف الوزارات في الأردن، بهدف تطوير أساليب التفكير في البرامج الحكومية وتصميمها وتنفيذها بما يحقق أثرًا أكبر.

الاستثمار في التعلّم والتطوير المستم

يتطلّب تجاوز الفجوة بين التخطيط والتنفيذ أيضًا إعادة النظر في كيفية توجيه التمويل وما ينبغي أن يشمله من دعم.

يستغرق تطوير البرامج الفعّالة وقتًا لفهم احتياجات المجتمعات، والاستماع إلى العاملين في الميدان، وتجربة الأفكار وتطويرها بناءً على النتائج. وهنا تبرز أهمية التمويل المرن، الذي يمنح المؤسسات الوقت والمساحة اللازمين لتحسين برامجها وتكييفها مع الواقع، بما يزيد من فرص نجاحها وتحقيق أثر ملموس ومستدام، بدلًا من التسرع في تبنّي حلول جامدة تقف عاجزة أمام فهم المشكلة ومعالجة جذورها..

يتطلب تطوير البرامج بفاعلية إفساح المجال للتعلّم خلال التنفيذ، وهو ما يستدعي توسيع مفهوم المساءلة ليشمل المساءلة عن التعلّم، إلى جانب المساءلة عن النتائج. فاكتشاف أن أحد الافتراضات الأولية لم يكن دقيقًا لا يُعدّ إخفاقًا، إذا أسهم في تحسين التدخل وزيادة فاعليته. ومن هنا، يمكن للجهات المانحة أن تنظر ليس فقط إلى ما أُنجز، بل أيضًا إلى ما تعلّمته المؤسسات خلال التنفيذ وكيف وظّفت هذه المعرفة لتطوير برامجها وتكييفها.

تُجسّد تعكس الشراكة بين مؤسسة فان لير ومؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية هذا النهج القائم على الذي يضع التعلّم في صميم العمل. فقد أسهم دعم مؤسسة فان لير في توظيف العلوم السلوكية عمليًا ضمن برنامج «اإقرأ لي»، بالتوازي مع تعزيز قدرات المؤسسة على المدى الطويل. وبالتعاون مع مؤسسة الوقف التعليمي البريطانية (EEF)، تُوّج هذا التعلّم المشترك بإعداد دليل عملي في العلوم السلوكية موجّه إلى الممارسين والجهات المانحة؛، لمساعدتهم على دمج هذه المنهجيات في برامجهم.

عندما لا يكون تغيير السلوك هو الحل

للعلوم السلوكية دور مهم، لكنها ليست حلًا لكل التحديات، ولا يمكنها أن تعوّض نقص الخدمات أو الكوادر أو الالتزام المؤسسي أو التمويل اللازم. والأهم، أنها لا ينبغي أن تُستخدم لتحميل الأفراد مسؤولية إخفاقات تعود إلى خلل في الأنظمة نفسها.

فلا فائدة من تذكير الناس بموعد طبي إذا لم تتوافرتكن هناك عيادة يذهبون إليها، كما لا يمكن للرسائل التوعوية -مهما بلغت فاعليتها- تمامًا كما لا تكفي رسالة توعوية أفضل لمعالجة مواجهة القيود الاقتصادية أو العوائق السياسية. وفي بعض الأحيان، يكشف فهم السلوك أن المشكلة تكمن في النظام نفسه، وأن الحل يتطلب إعادة هيكلته من الأساس

قبل اختيار أي حل، من المهم أن نفهم أين تكمن المشكلة فعلًا: هل نحتاج إلى تغيير في سلوك الأفراد، أم إلى معالجة العوائق التي تفرضها الأنظمة المحيطة بهم، أم إلى الجمع بين الأمرين؟ فكلما كان فهمنا للمشكلة أدق، تمكّنا من كانت قدرتنا على اختيار الحل المناسب بشكل أفضل. أكبر.

من النوايا إلى التطبيق

من أبرز ما أكّد عليه نقاشنا خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026 أن نجاح أي برنامج لا يعتمد على ما نريد تحقيقه فحسب، بل على فهم واقع الناس وما يساعدهم أو يعيقهم في حياتهم اليومية، ثم البناء على ذلك لتصميم حلول قابلة للتطبيق وتُحدث فرقًا حقيقيًا.

لا يتطلب تجاوز الفجوة بين التخطيط والتنفيذ دائمًا حلولًا أكثر تعقيدًا أو تكلفة، بل قد يبدأ بطرح أسئلة أفضل، والإصغاء إلى الناس عن قرب، والاستعداد لإعادة تصميم البرامج والأنظمة انطلاقًا من الواقع، لا من الافتراضات.

تبيّن لنا الأدلة ما الذي يمكن أن يُحدث فرقًا، أما العلوم السلوكية فتساعدنا على فهم كيف نجعل هذا الفرق واقعًا ملموسًا، وأثرًا مستدامًا في حياة الناس.